خطبة الجمعة المذاعة والموزعة
بتاريخ 21 من ربيع الآخر 1448هـ، الموافق 2/10/2026م
الرَّقَابَةُ الْأُسْرِيَّةُ فِي زَمَنِ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].
مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ الْأَخْطَارَ الْمُحْدِقَةَ بِأَبْنَائِنَا مِنْ خِلَالِ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ كَثِيرَةٌ، وَشَرَّهَا مُسْتَطِيرٌ: شُبُهَاتٌ تُلْقَى فِي الْعَقَائِدِ، تُشَكِّكُ فِي اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَتُشَكِّكُ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتُجَرِّحُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ بِأَلْفَاظٍ مُزَخْرَفَةٍ، وَتَنْحَرِفُ بِالْأَطْفَالِ وَالْمُرَاهِقِينَ إِلَى أَفْكَارٍ مُتَطَرِّفَةٍ؛ بَعِيدَةٍ كُلَّ الْبُعْدِ عَنْ تَعَالِيمِ الْإِسْلَامِ الصَّحِيحِ.
وَشَهَوَاتٌ تُعْرَضُ بِلَا حَيَاءٍ، تُفْسِدُ الْفِطْرَةَ، وَتُطْفِئُ نُورَ الْقَلْبِ، وَصُحْبَةُ سَوْءٍ عَبْرَ الشَّاشَاتِ، قَدْ تَجُرُّ إِلَى الِانْحِرَافِ وَالِابْتِزَازِ، وَأَجْوِبَةٌ آلِيَّةٌ فِي الدِّينِ وَالْأَخْلَاقِ، قَدْ تَخْلِطُ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، فَيَأْخُذُهَا الْمُتَلَقِّفُ كَأَنَّهَا فَتْوَى عَالِمٍ، فَوَجَبَ الْحَذَرُ وَالْوُقُوفُ عِنْدَ هَذِهِ الْمَخَاطِرِ، وَسُرْعَةُ مُعَالَجَتِهَا؛ إِذْ إِنَّ كُلَّ مَا يُسْمَعُ وَيُرَى مَحْفُوظٌ مَسْؤُولٌ عَنْهُ، قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36].
عِبَادَ اللَّهِ: لَقَدْ دَخَلَتِ الْأَجْهِزَةُ الْحَدِيثَةُ بُيُوتَنَا بِلَا اسْتِئْذَانٍ، وَأَصْبَحَتْ فِي يَدِ الصَّغِيرِ قَبْلَ الْكَبِيرِ نَوَافِذَ مَفْتُوحَةً عَلَى الْعَالَمِ كُلِّهِ، فِيهَا الْخَيْرُ وَالشَّرُّ، وَفِيهَا الْعِلْمُ وَالْجَهْلُ، وَالنَّاصِحُ وَالْمُفْسِدُ. ثُمَّ جَاءَتْ بَرَامِجُ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ تُحَاوِرُ أَبْنَاءَنَا، وَتُجِيبُ عَنْ أَسْئِلَتِهِمْ، وَتَكْتُبُ عَنْهُمْ، وَرُبَّمَا وَجَّهَتْ أَفْكَارَهُمْ وَمُعْتَقَدَاتِهِمْ، وَهُمْ فِي مَعْزِلٍ فِي غُرَفِهِمْ دُونَ عِلْمِ أَحَدٍ، وَهَذَا يُضَاعِفُ الْمَسْؤُولِيَّةَ الْعَظِيمَةَ عَلَى الْوَالِدَيْنِ، الْمَسْؤُولِيَّةُ الَّتِي تَسْتَوْجِبُ الرَّقَابَةَ دُونَ تَجَسُّسٍ، وَالثِّقَةَ دُونَ إِهْمَالٍ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي مَعْنَى وِقَايَةِ الْأَهْلِ مِنَ النَّارِ: (عَلِّمُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمُ الْخَيْرَ).
فَهَذَا الزَّمَانُ زَمَانٌ ثَقُلَتْ فِيهِ أَهَمِّيَّةُ الرَّقَابَةِ، وَتَعَاظَمَتِ الْمَسْؤُولِيَّةُ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْأُمُورِ؛ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعيَّتِهِ؛ فَالْإِمَامُ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيتِ زَوجِهَا رَاعِيَةٌ، وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعيَّتِهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا]. وَالتَّقَاعُسُ فِي تَحَمُّلِ هَذِهِ الْمَسْؤُولِيَّةِ يُنْذِرُ بِخَاتِمَةٍ سَيِّئَةٍ، وَمَصِيرٍ مَمْقُوتٍ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ]. فَمِنَ الْغِشِّ لِلرَّعِيَّةِ أَنْ يُسَلَّمَ الطِّفْلُ وَالْمُرَاهِقُ جَهَازًا مَفْتُوحًا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ؛ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَصَالِحٍ وَفَاسِدٍ، ثُمَّ يُتْرَكُ وَحْدَهُ، لَا يُرَاقَبُ، وَلَا يُعَلَّمُ، وَلَا يُدْرَى مَا يَصْنَعُ، وَمَعَ مَنْ يَتَحَدَّثُ!.
إِخْوَةَ الْإِسْلَامِ: اعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- أَنَّ دِينَنا وَسَطٌ بَيْنَ طَرَفَيْنِ مَذْمُومَيْنِ: طَرَفُ الْإِهْمَالِ؛ يَظُنُّ صَاحِبُهُ أَنَّ التَّرْبِيَةَ طَعَامٌ وَكِسْوَةٌ وَجَهَازٌ حَدِيثٌ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: (فَمَنْ أَهْمَلَ تَعْلِيمَ وَلَدِهِ مَا يَنْفَعُهُ، وَتَرَكَهُ سُدًى، فَقَدْ أَسَاءَ إِلَيْهِ غَايَةَ الْإِسَاءَةِ، وَأَكْثَرُ الْأَوْلَادِ إِنَّمَا جَاءَ فَسَادُهُمْ مِنْ قِبَلِ الْآبَاءِ وَإِهْمَالِهِمْ لَهُمْ، وَتَرْكِ تَعْلِيمِهِمْ فَرَائِضَ الدِّينِ وَسُنَنَهُ، فَأَضَاعُوهُمْ صِغَارًا، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِأَنْفُسِهِمْ، وَلَمْ يَنْفَعُوا آبَاءَهُمْ كِبَارًا).
وَالطَّرَفُ الثَّانِي: التَّسَلُّطُ وَالْقَسْوَةُ اللَّذَانِ يُحَوِّلَانِ الْبَيْتَ إِلَى سِجْنٍ، تَفْتِيشٌ قَبْلَ التَّثَبُّتِ، وَاتِّهَامَاتٌ قَبْلَ الْبَيِّنَةِ، وَمُصَادَرَةُ كُلِّ شَيْءٍ بِغَضَبٍ، فَيُعَلِّمُ وَلَدَهُ التَّحَايُلَ وَالْكَذِبَ؛ قَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]. وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا].
فَالرَّقَابَةُ الرَّاشِدَةُ وَسَطٌ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، وَالْإِهْمَالِ وَالتَّضْيِيقِ، فَهِيَ مُتَابَعَةٌ بِحِكْمَةٍ، تَتَدَرَّجُ مَعَ سِنِّ الْوَلَدِ؛ فَالصَّغِيرُ يُحَاطُ بِعِنَايَةٍ وَثِقَةٍ، وَالْكَبِيرُ يُمْنَحُ ثِقَةً تَحْفَظُهَا الْأَمَانَةُ، وَلَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ النُّصْحُ وَالْمُتَابَعَةُ، مَعَ تَعْزِيزِ جَانِبِ الرَّقَابَةِ الذَّاتِيَّةِ.
بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ فِي ذُرِّيَّاتِكُمْ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2، 3].
عِبَادَ اللَّهِ: مَعَ طُغْيَانِ هَذِهِ الْوَسَائِلِ وَصُعُوبَةِ دَفْعِهَا؛ إِلَّا أَنَّ هُنَاكَ وَسَائِلَ عَمَلِيَّةً تَدْفَعُ ضَرَرَهَا عَنِ الْأَفْرَادِ وَالمْجْتَمَعَاتِ، وَإنَّ مِنْ أَهَمِّ الْوَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ لِلرَّقَابَةِ الرَّاشِدَةِ: غَرْسَ رَقَابَةِ اللَّهِ فِي الْقُلُوبِ؛ فَهِيَ الرَّقَابَةُ الَّتِي لَا تَنْقَطِعُ إِذَا غَابَ الْأَبُ وَالْأُمُّ؛ قَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى } [العلق: 14]. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ].
وَمِنَ الْوَسَائِلِ لِلرَّقَابَةِ الرَّاشِدَةِ: الْقُدْوَةُ الصَّالِحَةُ؛ فَكَيْفَ يَنْهَى عَنْ إِدْمَانِ الشَّاشَةِ مَنْ لَا يَرْفَعُ بَصَرَهُ عَنْهَا؟! وَالتَّعْلِيمُ بِالْقُدْوَةِ مِنْ أَبْلَغِ وَسَائِلِ التَّرْبِيَةِ وَأَنْفَعِهَا؛ قَالَ تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } [الأحزاب: 21].
وَمِنْهَا أَيْضًا: الْحِوَارُ، وَالْقُرْبُ، وَبِنَاءُ الثِّقَةِ؛ وَتَمَامُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْوَالِدُ بِوَلَدِهِ رَحِيمًا، وَصَدِيقًا أَمِينًا، حَتَّى يَشْعُرَ أَنَّهُ فِي مَأْمَنٍ وَثِقَةٍ، فَيَأْتِي أَبَاه إِذَا أَخْطَأَ، وَيَسْأَلُهُ عَمَّا يَجْهَلُهُ، وَيَسْتَشِيرُهُ فِي كُلِّ أُمُورِهِ.
وَمِنَ الْوَسَائِلِ كَذَلِكَ: الِاسْتِفَادَةُ مِنَ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ اسْتِفَادَةً صَحِيحَةً، فَهُوَ أَدَاةٌ تُسْتَخْدَمُ، وَلَيْسَ مَرْجِعًا يُسْتَفْتَى. فَلَا بُدَّ مِنْ تَوْجِيهِهِمْ أَنْ يَسْتَعْمِلُوهُ بِحَسَبِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَلَيْسَ أَنْ يَتَّخِذَهُ مُفْتِيًا أَوْ مُعَلِّمًا أَوْ قُدْوَةً، وَلَا بُدَّ مِنْ تَنْبِيهِ الْأَبْنَاءِ أَنَّ الدِّينَ يُؤْخَذُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الثِّقَاتِ، لَا عَنِ الْبَرَامِجِ الْآلِيَّةِ؛ قَالَ تَعَالَى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ: الْوَاجِبُ عَلَى الْوَالِدَيْنِ مَلْءُ فَرَاغِ الأَبْنَاءِ وَالبَنَاتِ بِمَا يَنْفَعُهُمْ، وَأَنْفَعُ شَيْءٍ لَهُمْ إِشْرَاكُهُمْ فِي حَلَقَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَدُرُوسِ الْعِلْمِ، وَالرِّيَاضَةِ، وَالصُّحْبَةِ الصَّالِحَةِ، فَإِنَّ الْفَرَاغَ بَابٌ وَاسِعٌ لِلْفَسَادِ. وَكَذَلِكَ الْإِكْثَارُ مِنَ الدُّعَاءِ؛ فَإِنَّ الْقُلُوبَ بِيَدِ اللَّهِ، وَكَانَ مِنْ دُعَاءِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا } [الفرقان: 74].
فَأَبْشِرُوا يَا مَنْ صَبَرْتُمْ عَلَى تَرْبِيَةِ أَوْلَادِكُمْ؛ فَالْوَلَدُ الصَّالِحُ عَمَلٌ لَا يَنْقَطِعُ أَجْرُهُ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى صَاحِبِ الْوَجْهِ الْأَنْوَر، وَالْجَبِينِ الأَزْهَرِ، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْغُرَرِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى هَدْيِهِمْ إلَى يَوْمِ الْمَحْشَرِ، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا ذُرِّيَّاتِنَا، وَاحْفَظْ أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُمْ قُرَّةَ أَعْيُنٍ لَنَا، وَارْزُقْنَا الْحِكْمَةَ فِي تَرْبِيَتِهِمْ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ؛ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، رَبَّنَا ارْفَعْ عَنَّا الْبَلَاءَ وَالْوَبَاءَ، وَالضَّرَّاءَ وَالْبَأْسَاءَ، اللَّهُمَّ احْفَظِ الْكُوَيْتَ وَأَهْلَهَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَمَكْرُوهٍ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ احْفَظْ إِخْوَتَنَا مِنَ الْمُرَابِطِينَ وَقُوَى الْأَمْنِ وَالدِّفَاعِ وَالْحَرَسِ الْوَطَنِيِّ وَالإِطْفَاءِ وَجَمِيعَ الْقَائِمِينَ عَلَى أَمْنِ الْبِلَادِ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ أَمِيرَنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمَا لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لجنة إعداد الخطبة النموذجية لصلاة الجمعة